مجمع البحوث الاسلامية
620
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ البقرة : 247 2 - وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ المنافقون : 4 يلاحظ أوّلا : أنّ الآيتين مدنيّتان جاءت أولاهما في قصّة طالوت خلال قصص بني إسرائيل في سورة البقرة الّتي ركّزت حوالي مائة آية منها في بدو الهجرة في التّعريف ببني إسرائيل ليعلم المؤمنون سابقتهم ولا يخدعوا بهم ، وليعلموا هم أنفسهم بأنّ اللّه أخبر النّبيّ عليه السّلام والمؤمنين بخفايا أحوالهم فيعترفوا بأنّه وحي من اللّه تعالى ويؤمنوا به . وثانيتهما في وصف المنافقين - ومنشأهم المدينة - لئلّا ينخدع المؤمنون بحسن منظرهم وطلاقة لسانهم . وليعرفوا هم أنفسهم بأنّ اللّه أوحى إلى نبيّه ببواطن أمورهم فيرجعوا عن وشمة النّفاق ، ويؤمنوا به ، فالآيتان متناسقتان لجوّ المدينة . ثانيا : في ( 1 ) بحوث : 1 - فيها دلالة على صحّة ما اعتبره الإماميّة في إمام المسلمين من جهتين : الأولى : اختصاص طالوت بأنّه مبعوث للملك من اللّه تعالى ، كما اعتبرت الإماميّة في الإمام النّصّ من اللّه والرّسول . الثّانية : اشترط العلم البالغ والمعرفة الكاملة نفسا ، والقدرة والشّجاعة جسما ، وقالوا : إنّ طالوت كان أعلمهم وأجسمهم ، ولم يكن أكثرهم مالا كما أحبّوا . وتقول الإماميّة : يجب أن يكون الإمام أعلم النّاس وأشجعهم ، ويوجد اعتراف بذلك في ثنايا التّفاسير حتّى من أهل السّنّة . 2 - جاء فيها وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ تعقيبا لقولهم : وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ف ( السّعة ) بمعنى الكثرة تناسب المال ، أمّا ( البسطة ) فتناسب الجسم ظاهرا والعلم باطنا . 3 - قال بعضهم : بسط الجسم : عبارة عن طول قامة طالوت ، فقد بالغوا فيه بما يخرج عن المتعارف ، ويلحق بالأساطير الإسرائيليّة . وقال بعضهم : هو عبارة عن الجمال وتناسب الأعضاء والسّلامة عن الأمراض . والأنسب منها بمنصب الملك هو القدرة والشّجاعة ، لأنّه بهما يدبّر الأمور ويسيطر عليها ويدفع الأعداء ، كما أنّه ببسطة العلم وكماله يحلّ المشكلات ويغلب العويصات . والفخر الرّازيّ بعد ذكر الأقوال قال : وهذا القول - أي القوّة والقدرة - عندي أصحّ ، لأنّ المنتفع به في دفع الأعداء هو القوّة والشّدّة لا الطّول والجمال ، وقد علّل اختيار العلم والقدرة للملك بوجوه أربعة ، فلاحظ . والعجيب من الزّمخشريّ حيث قال في بسطة الجسم : « وأن يكون جسيما يملأ العين جهارة ، لأنّه أعظم في النّفوس وأهيب في القلوب » . 4 - وللطّباطبائيّ فيها كلمة الفصل : بأنّ الغرض من ( الملك ) تدبير المجتمع تدبيرا صالحا يوصل كلّ فرد إلى كماله اللّائق به ، ودفع ما يمنعه عن ذلك ، وهذا المطلوب